إخوان الصفاء

13

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وذلك أن موسى ، عليه السلام ، قام لياليها ، وصام نهارها ، حتى صفت نفسه ، فناجاه اللّه تعالى عند ذلك وكلمه . ويروى عن النبي ، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، أنه قال : « من أخلص العبادة للّه أربعين يوما ، فتح اللّه قلبه وشرح صدره ، وأطلق لسانه بالحكمة ، ولو كان أعجميّا غلفا « 1 » » . فمن أجل هذا وجب على الحكماء ، إذا أرادوا فتح باب الحكمة للمعلمين ، وكشف الأسرار للمريدين ، أن يروضوهم أولا ، ويهذبوا نفوسهم بالتأديب ، كيما تصفو نفوسهم ، وتطهر أخلاقهم ، لأن الحكمة كالعروس تريد لها مجلسا خاليا فإنها من كنوز الآخرة ، وإن الحكيم إذا لم يفعل ما هو واجب في الحكمة من رياضة المتعلمين قبل أن يكشف لهم أسرار الحكمة ، فيكون مثله في ذلك كمثل حاجب ملك أذن لقوم بله بالدخول على الملك من غير تأديب ولا ترتيب ، فإنه يستحق العقوبة عليه إن فعل ذلك ، فإذا هو فعل ما قد يجب من تأديبهم ثم لم يفعلوا هم ولا قبلوا منه ، فقد بريء الحكيم من اللوم ، ولزمهم الذنب ، لأنك إذا قدّمت الطعام والشراب إلى الجائع فقد أشبعته ، فإذا هو لم يأكل حتى مات جوعا فهو المأخوذ بدمه « ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب اللّه عليه » . وفقك اللّه ، أيها الأخ البارّ الرحيم ، وإيانا للرشاد ، وسدّدك وإيانا وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد ، إنه رؤوف بالعباد . تمت رسالة ماهيّة الطريق إلى اللّه ، عز وجل ، وكيفية الوصول إليه ، ويليها رسالة في بيان اعتقاد إخوان الصفاء

--> ( 1 ) الغلف : جمع أغلف ويقال قلب أغلف أي عليه غشاء . وفي نهاية الأثر في صفته ، عليه الصلاة والسلام : يفتح قلوبا غلفا ، أي مغشاة مغطاة . فلعل الحديث : أعجميا أغلف ، أي أغلف القلب .